اسماعيل بن محمد القونوي
49
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
فالمفتوح الأول هو الجزء الأول وباقي الأجزاء مفتوح ثانيا بواسطة الأول وأما إن كان المفتوح كالأوراق المجلدة فلا يكون الجزء الأول منها مفتوحا أولا بل كل واحد من الأوراق مفتوح دفعة وهذا مراد أهل العصر فالحق معه وقيل الفاتحة صفة جعلت اسما لأول الشيء إذ به يتعلق الفتح بمجموعه فهو كالباعث على الفتح فيتعلق بنفسه ضرورة انتهى ولا يخفى أن موجب هذا التوجيه والتوجيه السابق إن ههنا فتحين ومفتوحين أحدهما وسيلة وسبب للآخر وفيه تأمل فتأمل فإنه لا يتمشى فيما فتح دفعيا وإنما اختار السيد السند الأول لأن فيه مبالغة ولو ادعائيا إذ إطلاق المصدر على الفاعل وعلى المفعول لا بد وأن يكون للمبالغة ولما كان الأول مفتوحا أولا وذريعة إلى فتح الباقي من الأجزاء جعل كأنه عين الفتح ادعاء والقول بأن فاعله في المصادر قليلة وأن تسمية المفعول بالمصدر خلاف الظاهر ضعيف لأنه إن أراد بالقلة القلة في نفسه غير كثير دورانه في السنة البلغاء فلا يكون فصيحا فغير مسلم كيف وقد ورد استعماله في التنزيل « قوله تعالى : مِنَ الصَّواعِقِ [ البقرة : 19 ] يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ [ غافر : 19 ] فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ [ الحاقة : 8 ] . كما صرح به صاحب الكشاف في مواضع عديدة وإن أراد بها القلة بالنسبة إلى غيره فلا يضرنا فإن الألفاظ الفصيحة يتفاوت استعمالها قلة وكثرة بنسبة بعض إلى بعض والإنكار مكابرة وإن أراد أنه مرجوح بالنسبة إلى كونهما صفة فقد عرفت أن الأمر بالعكس لإفادته المبالغة دون الثاني وأيضا قد ظهر أن القلة لا تكون منشأ المرجوحية ما لم يخرج عن حد الفصاحة وقد بان فصاحته وظهر بلاغته « 1 » وكذا الكلام في كونه تسمية المفعول بالمصدر خلاف الظاهر كيف وقد ورد في كلام الفصحاء والبلغاء لا سيما في كلام اللّه تعالى وقد صرح بعض شارحي التصريف أنه إذا أريد المبالغة يذكر المصدر ويراد به الفاعل أو المفعول مجازا وكيف يدعى أن ما يدخل تحت القاعدة الكلية خلاف الظاهر وإذا كانت صفة فتاؤها للنقل من الوصفية إلى الاسمية كالمقدمة وقيل للمبالغة وهو ضعيف وجوز كونها للتأنيث لتأنيث الموصوف في الأصل أي القطعة الفاتحة ومراده أنه يحتمل ذلك كما في لفظ الحقيقة فإن صاحب المفتاح اختار كون التاء فيها للتأنيث مع أن كونها للنقل هو الظاهر فلا وجه للبحث فيه بأن موصوفها هنا جزء والجزء الأول ما يعتبر اتصاله سائر الأجزاء وإلا لم يكن توسطا في عروض الفتح للكل فلا يصح التعبير عنه بالقطعة ونحوها إذ القطعة إنما تطلق على الجزء الذي انقطع عن سائر الأجزاء انتهى فإنه لو سلم ذلك فلم لا يجوز أن يكون الانقطاع بتقسيم العقل والفرض فإن المتكلمين يستعملونه كما في الجوهر الفرد وفي قولهم وأنه تعالى ليس بمتبعض ولا بمنجز قيل وكان الداعي إلى نفي التبعض الحمل على الانقسام العقلي والوهمي والتجزي على الانقسام بالفعل وقوله تعالى : كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً الآية يشعر استعمال القطعة في الجزء المتصل وإن نوقش فيه فلا أقل من الحمل على الانقسام العقلي والفرضي إذ الليل عبارة عن الزمان الممتد من غروب الشمس إلى طلوع الفجر كما في اللباب فأجزاؤه متصلة
--> ( 1 ) أي ظهر بلاغة الكلام المشتمل عليه ففيه تسامح .